ابن كثير
208
البداية والنهاية
إلى دمشق حتى تفتح أو يموت ، فمات هنالك كما ذكرنا ، فحصل له بهذه النية أجر الرباط في سبيل الله ، فهو إن شاء الله ممن يجري له ثوابه إلى يوم القيامة رحمه الله . وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة شراحيل بن عبيدة بن قيس العقيلي ما مضمونه : إن مسلمة بن عبد الملك لما ضيق بمحاصرته على أهل القسطنطينية ، وتتبع المسالك واستحوذ على ما هنالك من الممالك ، كتب إليون ملك الروم إلى ملك الرجان يستنصره على مسلمة ، ويقول له : ليس لهم همة إلا في الدعوة إلى دينهم ، الأقرب منهم فالأقرب ، وإنهم متى فرغوا مني خلصوا إليك ، فمهما كنت صانعا حينئذ فاصنعه الآن ، فعند ذلك شرع لعنه الله في المكر والخديعة ، فكتب إلى مسلمة يقول له : إن إليون كتب إلي يستنصرني عليك ، وأنا معك فمرني لما شئت . فكتب إليه مسلمة : إني لا أريد منك رجالا ولا عددا ، ولكن أرسل إلينا بالميرة فقد قل ما عندنا من الأزواد . فكتب إليه : إني قد أرسلت إليك بسوق عظيمة إلى مكان كذا وكذا ، فأرسل من يتسلمها ويشتري منها . فأذن مسلمة لمن شاء من الجيش أن يذهب إلى هناك فيشتري له ما يحتاج إليه ، فذهب خلق كثير فوجدوا هنالك سوقا هائلة ، فيها من أنواع البضائع والأمتعة والأطعمة ، فأقبلوا يشترون ، واشتغلوا بذلك ، ولا يشعرون بما أرصد لهم الخبيث من الكمائن بين تلك الجبال التي هنالك ، فخرجوا عليهم بغتة واحدة فقتلوا خلقا كثيرا من المسلمين وأسروا آخرين ، وما رجع إلى مسلمة إلا القليل منهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، فكتب مسلمة بذلك إلى أخيه سليمان يخبره بما وقع من ذلك ، فأرسل جيشا كثيفا صحبة شراحيل بن عبيدة هذا ، وأمرهم أن يعبروا خليج القسطنطينية أولا فيقاتلوا ملك البرجان ، ثم يعودوا إلى مسلمة ، فذهبوا إلى بلاد البرجان وقطعوا إليهم تلك الخلجان ، فاقتتلوا معهم قتالا شديدا ، فهزمهم المسلمون بإذن الله ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وسبوا وأسروا خلقا كثيرا ، وخلصوا أسرى المسلمين ، ثم تحيزوا إلى مسلمة فكانوا عنده حتى استقدم الجميع عمر بن عبد العزيز خوفا عليهم من غائلة الروم وبلادهم ، ومن ضيق العيش ، وقد كان لهم قبل ذلك مدة طويلة أثابهم الله . خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قد تقدم أنه بويع له بالخلافة يوم الجمعة لعشر مضين ، وقد قيل بقين من صفر من هذه السنة - أعني سنة تسع وتسعين - يوم مات سليمان بن عبد الملك ، عن عهد منه إليه من غير علم من عمر كما قدمنا ، وقد ظهرت عليه مخايل الورع والدين والتقشف والصيانة والنزاهة ، من أول حركة بدت منه ، حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة ، وهي الخيون الحسان الجياد المعدة لها ، والاجتزاء بمركوبه الذي كان يركبه ، وسكنى منزله رغبة عن منزل الخلافة ، ويقال إنه خطب الناس فقال في خطبته : أيها الناس ، إن لي نفسا تواقة لا تعطى شيئا إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه ، وإني لما أعطيت الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها وهي الجنة ، فأعينوني عليها يرحمكم الله . وستأتي ترجمته عند وفاته